صديق الحسيني القنوجي البخاري

27

فتح البيان في مقاصد القرآن

خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان ، وقيل معناه الغدر واخفاء الشيء ومنه قوله تعالى : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ [ غافر : 19 ] . نهاهم اللّه عن أن يخونوه بترك شيء مما افترضه عليهم أو يخونوا رسوله بترك شيء مما آمنهم اللّه عليه أو بترك شيء مما سنه لهم ، أو يخونوا شيئا من الأمانات التي ائتمنوا عليها ، وسميت أمانات لأنه يؤمن معها من منع الحق ، مأخوذة من الأمن ، قال ابن عباس : لا تخونوا اللّه بترك فرائضه والرسول بترك سننه وارتكاب معصيته . وقال المغيرة بن شعبة : نزلت هذه الآية في قتل عثمان ، وقال يزيد بن أبي حبيب : هو الإخلال بالسلاح في المغازي ، ولعل مرادهما أن هذا مما يندرج تحت عمومها . قال جابر بن عبد اللّه : إن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إنه بمكان كذا فأخرجوا إليه واكتموا رجل من المنافقين إلى أبي سفيان أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فأنزل اللّه هذه الآية . وعن عبد اللّه بن أبي قتادة قال : نزلت هذه الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر فأشار إلى حلقه أنه الذبح فنزلت ، وعن الزهري : نحوه بأطول منه ، وعن الكلبي والسدي نحوه . ولما اشتد الحصار ببني قريظة أطاعوا وانقادوا أن ينزلوا على ما يحكم به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فحكم فيهم سعد بن معاذ وقال : إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة » . وفي رواية محمد بن صالح : لقد حكمت اليوم فيهم بحكم اللّه الذي حكم به من فوق سبع سماوات ، والقصة بطولها في المواهب اللدنية وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن ذلك الفعل خيانة فتفعلون الخيانة عن عمد ، أو أنتم من أهل العلم لا من أهل الجهل . ثم قال : وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ لأنهم سبب الوقوع في كثير من الذنوب وصادة عن أمور الآخرة فصاروا من هذه الحيثية محنة يختبر اللّه بها عباده وإن كانوا من حيثية أخرى زينة الحياة الدنيا كما في الآية الأخرى . عن ابن مسعود قال : ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة ، لأن اللّه يقول : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ فمن استعاذ منكم فليستعذ باللّه من مضلات الفتن ، وقال ابن زيد : فتنة الاختبار اختبرهم ، وقرأ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فآثروا حقه على أموالكم وأولادكم ليحصل لكم ما عنده من الأجر المذكور .